المزي

220

تهذيب الكمال

قال لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء القضاة ، فقال له : أصلح الله القاضي كم آكل ؟ قال : فوق الجوع ودون الشبع . قال : فكم أضحك ؟ قال : حتى يسفر وجهك ، ولا يعلوا صوتك . قال فكم أبكي ؟ قال : لا تمل البكاء من خشية الله . قال : فكم أخفي من عملي ؟ قال : ما استطعت . قال : فكم أظهر منه ؟ قال : ما يقتدي بك البر الخير ، ويؤمن عليك قول الناس ، فقال الرجل : سبحان الله ، قول قاطن ، وعمل ظاعن . وقال محمد بن منصور الطوسي ، عن يحيى بن سعيد اليمامي ، قال يحيى بن أكثم : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راياهم . وقال النقاش أيضا ، عن ثعلب : أخبرنا أبو العالية السامي . مؤدب ولد المأمون ، قال : قال المأمون ذات يوم ليحيى بن أكثم القاضي : أريد منك أن تسمي لي ثقلاء أهل عسكري وحاشيتي . فقال له : يا أمير المؤمنين أعفني ، فإني لست أذكر أحدا منهم ، وهم لي على ما تعلم ، فكيف إن جرى مثل هذا ؟ قال له : فإن كنت لا تفعل فاضطجع حتى أفتل لك مخراقا وأضربك به ، وأسمي مع كل ضربة رجلا ، فإن كان ثقيلا تأوهت ، وإن يكن غير ذلك . سكت ، فأكون أنا على معرفة منهم ويقين من ثقلائهم . فاضطجع له يحيى ، وقال : ما رأيت قاضي قضاة ، وأميرا ، ووزيرا ، يعمل به مثل ذا ، فلف له مخراقا دبيقيا ( 1 ) ، وضربه به ضربة وذكر رجلا ثقيلا .

--> ( 1 ) المخراق : المنديل يلف ليضرب به ، والقماش الذي عمل منه المخراق كان قماشا دبيقيا ، منسوب إلى دبيق بليدة بالبلاد المصرية كانت بين الفرما وتنيس اشتهرت بالثياب الدبيقية الرقيقة النسيج . فبسبب رقة القماش كان المخراق قويا مؤلما ، والله أعلم